مايضحك

حسن العاني

أوضحة العراقية !

إنها قصة حب عذبة ، و في الريف يرتبط الحب بأعراف العشائر و إبن العم و أبنة العم . و حين باءت وساطات الخيرين بالفشل ، و لم يكتب لزواجهما النجاح ، عمدا مضطرين الى الهرب ، و إستقر بهما المطاف بعيدا ً عن قريتهما في (خرابة) مهجورة ، و لم يكن مع الفتى سرحان غير وارد المحصول الذي قبضه عن زرعه لذلك الموسم ، و لم يكن مع الفتاة وضحة سوى (صرة) ملابسها و خزامتها الذهبية !
عقدا قرانهما ، وباعت وضحة ( الخزامة ) ، و أقتنيا حاجات المنزل الضرورية ، و عاشا على بساطة حياتهما ، أياما ً من السعادة ، لا أحلى و لا أطعم منها ، و كان سرحان يحلم بتوفير حياة أفضل لزوجه ، و يتمنى تعويضها عن صبرها الجميل ، لذلك انهك نفسه بالعمل ، و كانت وضحة تجمع الدينار على الدينار ، و تستكمل أثاث منزلها ، مثلما كانت تدرك إن زوجها الطيب كان يفعل ذلك ، و لا يتوانى عن العمل في مكانين إذا توفرت له الفرص ، ليس من منطلق مسؤوليته الأسرية فقط ، و أنما لأسعادها كذلك ، و من هنا قادتها فطرتها القروية الى الوقوف معه و مساعدته بالمثل ، فراحت تقتني الدجاجة و الدجاجتين و تقوم بتربيتها و تكثيرها ، حتى إمتلأ القن الكبير الذي بنته بنفسها بأكثر من خمسين ديكا ً و دجاجة ، و كانت تجمع البيض وتعرضه للبيع على البيوت المجاورة ! مرّ عامان على زواجهما حين التحق سرحان بالجبهة أيام الحرب العراقية الأيرانية ، و كان في إسبوع إجازته يطلب العمل هنا وهناك فلا يحصل عليه إلا مصادفة ، و تحملت وضحة وحدها أعباء المنزل و مصروفه معتمدة على ما يدره عليها البيض ، ولكن المبلغ كان شحيحا ً ، و عبر شد الأحزمة على البطون أمضيا شهورا ً عصيبة من ضنك العيش ، فراتب الخدمة الألزامية الذي يتقاضاه زوجها لا يكاد يسد اجور الطريق ، و مع ذلك كانت وضحة تتدبر أمرها بصعوبة بالغة ، حتى إنها كانت تأكل يوما ً و تصوم يوما ً ، و لكنها راضية صابرة و تنتظر الفرج ، لولا إن الحرب خطفت زوجها فيمن خطفت من شهداء ، و صمدت القروية وحيدة ، تعيش على ما تبيع من البيض ، وإنتهت سنوات الحرب ، و إحتل العراق الكويت ، و خرج من الكويت ، و تم إقتياد الناس لأنتخاب صدام حسين رئيسا ً للجمهورية ، و دخلت البلاد في حرب جديدة مع قوات التحالف و هرب صدام و سقط النظام ، و تم إحتلال العراق ، و وضحة تعيش على ما تبيع من البيض ، فتأكل يوما ً و تصوم يوما ً آخر ، ثم قام مجلس الحكم ، و جرت إنتخابات تلتها إنتخابات ، و شهدت البلاد ولادة مجالس المحافظات و البرلمان ، و صدرت مئات التشريعات ، و تشكلت حكومات علاوي و الجعفري و المالكي ، و رئاسات الياور و الطالباني ، و زادت كميات النفط المصدر و إرتفعت أسعاره ، و أمتلأت خزينة الدولة بمليارات الدولارات ، وقدمت الحكومة معونة إنسانية لليابان ، وطفحت عيون المفسدين بالأموال و القصور و المركبات ، و وضحة العراقية ما زالت تعيش على ما تبيع من البيض ... و تأكل يوما ً و تصوم آخر !!
 
چاپکردن
ماڵەوە >>