حريـــة التعـبـيـــر

على مسسؤوليتي.. عمار خالد العلي

ربما كانت العادات الشخصية ، اعظم قاسم مشترك بين الناس ، وهي تتباين و تتنوع بلا حدود ، و تكون احيانا قوية مستحكمة، و احيانا باهتة غير لافتة للنظر ،كما يمكن ان تكون غريبة جدا او اعتيادية مألوفة و قد تكون مؤذية او مضحكة ، و من هنا يستحيل العثور على انسان واحد من دون عادة تلازمه ، سواء في الكلام او الجلوس او المشي او النوم او الاكل، ام في السلوك او العمل او الحركات التي تلازم اليد او القدم او العين، و قد وقفت على مقالة ظريفة رصدت العادات التي عرف بها كبار الادباء و الشعراء و الرسامين و العلماء و المبدعين .
واحد من اصدقائي الذين يرتادون المقهى ، اسير عادة لا يستطيع الخلاص منها برغم تنبيهاتنا المتكررة له ، فنحن حين نود تقريب صورة ما الى الذهن ، نضرب لها مثالا واحدا كأن نقول في معرض الحديث عن ارتفاع الاسعار بين ما اصبح عليه اليوم و بين ما كان عليه في السابق [ ان ايجار البيت في سنة 1965 كان لا يتجاوز 8 دنانير ، و الدار نفسها تؤجر اليوم ما بين 400-500 الف دينار ] ، اما صديقنا فيقول على النحو التالي [ خذ سعر علبة السجائر مثلا، او لنترك السجائر و نأخذ برميل النفط ، او خذ اجرة الطريق ، او سعر كيلو اللحم او علبة الكبريت .... الخ] ، و هكذا يستمر بالتنقل الى ان يختار انموذجا ، و في كل مرة يضرب فيها مثلا علينا الانتظار 10 دقائق حتى يستقر عند واحد ، والى ان يصل الى حالة الاستقرار تكون انفاسنا قد انقطعت ، و مع اننا في الغالب لا نتمكن من ضبط انفسنا من الضحك الا ان الرجل لا يغضب و يشاطرنا الضحك و هو يلعن نفسه بطريقة مازحة [ بت الكلب .. هاي العادة العوجة لو بس اخلص منها!]
قبل اسبوعين و نحن في المقهى الممتلئة بالمتقاعدين و العاطلين عن العمل و رجال الصحوة و مجالس الاسناد و المغاوير و الشعراء الشعبيين و المداحين و اتباع الحكومة و المعارضين و بعض المجندات اللواتي حضرن مصادفة ، اثار احد الاصدقاء قضية الفساد المالي و موضوع الرشوة تحديدا ، و كنا نناقش هذه القضية و جذورها التي تمتد الى ثمانينات و تسعينات القرن الماضي ، و كيف تفشت بعد الاحتلال حتى صارت ظاهرة مخيفة انعكست آثارها السلبية على مفاصل كثيرة من المشاريع الخدمية و التنموية ، وعلى بناء المواطن النفسي ، و قد اتسمت اجواء النقاش بالتحليل العلمي و الروح الموضوعية و الادلة و الشواهد حين تدخل صاحبنا قائلا [ يا جماعة .. مسألة الرشوة اكبر مما تتصورون ، خذوا مثلا موظف الاستعلامات ، او نترك الاستعلامات و نأخذ كاتب الذاتية ، او نترك الذاتية ، و نأخذ المحاسب او امين الصندوق او الملاحظ او رئيس الملاحظين او رئيس القسم ] كنا نصغي الى امثلته و هو يواصل كلامه [ او مدير الشعبة او لنترك الشعبة و نأخذ مدير الدائرة او المدير العام او رئيس المؤسسة او وكيل الوزارة ، او لنترك الوكيل و نأخذ ..] و لأن الرجل اقترب من المناطق الساخنة و لم تكن لديه نية التوقف ، فقد هجمنا عليه هجمة رجل واحد و اغلقنا فمه بالقوة خوفا على انفسنا و ليس عليه برغم ما يشاع في الصحف عن حرية التعبير !!

چاپی بکه‌

  دابخه‌