|
ربما كانت العادات الشخصية ، اعظم قاسم مشترك بين الناس ، وهي
تتباين و تتنوع بلا حدود ، و تكون احيانا قوية مستحكمة، و احيانا باهتة غير لافتة
للنظر ،كما يمكن ان تكون غريبة جدا او اعتيادية مألوفة و قد تكون مؤذية او مضحكة ،
و من هنا يستحيل العثور على انسان واحد من دون عادة تلازمه ، سواء في الكلام او
الجلوس او المشي او النوم او الاكل، ام في السلوك او العمل او الحركات التي تلازم
اليد او القدم او العين، و قد وقفت على مقالة ظريفة رصدت العادات التي عرف بها كبار
الادباء و الشعراء و الرسامين و العلماء و المبدعين .
واحد من اصدقائي الذين يرتادون المقهى ، اسير عادة لا يستطيع الخلاص منها برغم
تنبيهاتنا المتكررة له ، فنحن حين نود تقريب صورة ما الى الذهن ، نضرب لها مثالا
واحدا كأن نقول في معرض الحديث عن ارتفاع الاسعار بين ما اصبح عليه اليوم و بين ما
كان عليه في السابق [ ان ايجار البيت في سنة 1965 كان لا يتجاوز 8 دنانير ، و الدار
نفسها تؤجر اليوم ما بين 400-500 الف دينار ] ، اما صديقنا فيقول على النحو التالي
[ خذ سعر علبة السجائر مثلا، او لنترك السجائر و نأخذ برميل النفط ، او خذ اجرة
الطريق ، او سعر كيلو اللحم او علبة الكبريت .... الخ] ، و هكذا يستمر بالتنقل الى
ان يختار انموذجا ، و في كل مرة يضرب فيها مثلا علينا الانتظار 10 دقائق حتى يستقر
عند واحد ، والى ان يصل الى حالة الاستقرار تكون انفاسنا قد انقطعت ، و مع اننا في
الغالب لا نتمكن من ضبط انفسنا من الضحك الا ان الرجل لا يغضب و يشاطرنا الضحك و هو
يلعن نفسه بطريقة مازحة [ بت الكلب .. هاي العادة العوجة لو بس اخلص منها!]
قبل اسبوعين و نحن في المقهى الممتلئة بالمتقاعدين و العاطلين عن العمل و رجال
الصحوة و مجالس الاسناد و المغاوير و الشعراء الشعبيين و المداحين و اتباع الحكومة
و المعارضين و بعض المجندات اللواتي حضرن مصادفة ، اثار احد الاصدقاء قضية الفساد
المالي و موضوع الرشوة تحديدا ، و كنا نناقش هذه القضية و جذورها التي تمتد الى
ثمانينات و تسعينات القرن الماضي ، و كيف تفشت بعد الاحتلال حتى صارت ظاهرة مخيفة
انعكست آثارها السلبية على مفاصل كثيرة من المشاريع الخدمية و التنموية ، وعلى بناء
المواطن النفسي ، و قد اتسمت اجواء النقاش بالتحليل العلمي و الروح الموضوعية و
الادلة و الشواهد حين تدخل صاحبنا قائلا [ يا جماعة .. مسألة الرشوة اكبر مما
تتصورون ، خذوا مثلا موظف الاستعلامات ، او نترك الاستعلامات و نأخذ كاتب الذاتية ،
او نترك الذاتية ، و نأخذ المحاسب او امين الصندوق او الملاحظ او رئيس الملاحظين او
رئيس القسم ] كنا نصغي الى امثلته و هو يواصل كلامه [ او مدير الشعبة او لنترك
الشعبة و نأخذ مدير الدائرة او المدير العام او رئيس المؤسسة او وكيل الوزارة ، او
لنترك الوكيل و نأخذ ..] و لأن الرجل اقترب من المناطق الساخنة و لم تكن لديه نية
التوقف ، فقد هجمنا عليه هجمة رجل واحد و اغلقنا فمه بالقوة خوفا على انفسنا و ليس
عليه برغم ما يشاع في الصحف عن حرية التعبير !! |